رقم الفتوى: 79932
عنوان الفتوى: زكاة الفطر
قسم: الزكاة
مفتي: د.صلاح الصاوي
تاريخ الفتوى: 09/11/2009

السؤال
هل يجب إخراج زكاة الفطر طعام أم يجوز اخراجها نقدا

الإجابة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن الأصل هو إخراج زكاة الفطر طعاما لورود الأدلة بذلك، ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنه: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير) متفق عليه، وحديث أبي سعيد رضي الله عنه: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب) متفق عليه، وهذا هو الذي عليه جماهير اهل العلم

وقد خالف في ذلك الأحناف، فأجازوا إخراج زكاة الفطر بالقيمة، وهو قول الحسن البصري، وسفيان الثوري، وخامس الراشدين عمر بن عبد العزيز، وهو كذلك قول الأشهب وابن القاسم عند المالكية. وقد توسط شيخ الإسلام ابن تيمية فذهب إلى القول بأنه إذا كانت مصلحة الفقير الظاهرة والراجحة في القيمة فيجوز العدول حينئذ عن الطعام إلى القيمة، يقول رحمه الله: " وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد رحمه الله قد منع القيمة في مواضع وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص ومنهم من جعلها على روايتين، والأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، ولهذا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين أو عشرين درهما، ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلى أنواع ردئية، وقد يقع في التقويم ضرر؛ لأن الزَّكَاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل، فلا بأس به مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه ولا يلكف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء كما نقل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول لأهل اليمن: (ائتوني بخميص أو لبيس أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار) ؛ وهذا قد قيل إنه قاله في الزَّكَاة، وقيل في الجزية"

وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب العرض في الزكاة وذكر الأثر عن معاذ ونصه: (وقال طاووس: قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة) واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ بن حجر في فتح الباري 4/54 .

ونقل الحافظ عن ابن رشيد قال: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل، وفعل معاذ مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته.

وإذا ثبت جواز أخذ القيمة في الزَّكَاة المفروضة في الأعيان، فيتجه القول جوازها في الزَّكَاة المفروضة على الرّقاب عند ظهور الحاجة أو المصلحة في ذلك ؛ لأن الشرع أوجب الزَّكَاة في عين الحب، والتمر والماشية، والنقدين، كما في حديث معاذ الذي قاله له النبي صلى الله عليه وسلم فيه لما بعثه إلى اليمن: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقر من البقر) ومع هذا أجاز العدول عن ذلك للحاجة، فجواز ذلك في زكاة الفطر متوجه

وإنما اقتضت حكمة الشرع البالغة أمر الناس في عهد النبوة بإخراج الطعام ليتمكن جميعهم من أداء ما فرض عليهم، ولا يحصل لهم فيه عسر، ولا مشقة؛ وذلك لأن النقود كانت نادرة الوجود في تلك الأزمان ببلاد العرب ولاسيما البوادي منها، وخصوصاً الفقراء، فلو أمر بإعطاء النقود في الزَّكَاة المفروضة على الرؤوس لتعذر إخراجها على الفقراء بالكلية، ولتعسر على كثير من الأغنياء الذين كان غناهم بالمواشي والرقيق، والطعام، أما الطعام فإنه متيسر للجميع، ولا يخلو منه منزل إلا من بلغ به الفقر منتهاه، فكان من أعظم المصالح، وأبلغ الحكم العدول عن المال النادر العسر إخراجه إلى الطعام المتيسر وجوده، وإخراجه لكل الناس، فإذا تغير الحال وأصبحت القيمة أنفع، والمصلحة فيها أظهر، والانتفاع بها أكمل فلا بأس فيما يظهر، والله تعالى أعلى وأعلم.